فصل: فصل: والرابع التقدير الحولي في ليلة القدر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول ***


باب‏:‏ الإيمان بالقضاء والقدر

والسادس الإيمان بالأقدار *** فأيقنن بها ولا تمار

فكل شيء بقضاء وقدر *** والكل في أم الكتاب مستطر

والسادس من أركان الإيمان المشروحة في حديث جبريل وغيره هو الإيمان بالقدر خيره وشره، قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏إنا كل شيء خلقناه بقدر‏)‏، ‏(‏القمر 49‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وكان أمر الله قدرا مقدورا‏)‏، ‏(‏الأحزاب 38‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وكان أمر الله مفعولا‏)‏، ‏(‏الأحزاب 37‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه‏)‏، ‏(‏التغابن 11‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله‏)‏، ‏(‏آل عمران 166‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون‏)‏، ‏(‏البقرة 156‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى‏)‏، ‏(‏الليل 5- 10‏)‏، وقال تعالى-‏:‏ ‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم‏)‏، ‏(‏الفاتحة‏)‏ إلى آخر السورة‏.‏

وقال مسلم رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا عبد الأعلى بن حماد قال‏:‏ قرأت على مالك بن أنس، وحدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك فيما قرئ عليه، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس أنه قال‏:‏ أدركت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون‏:‏ ‏"‏ كل شيء بقدر ‏"‏‏.‏ قال‏:‏ وسمعت عبد الله بن عمر، يقول‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس ‏"‏، أو ‏"‏ الكيس والعجز ‏"‏‏.‏

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا‏:‏ حدثنا وكيع، عن سفيان، عن زياد بن إسماعيل، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي، عن أبي هريرة قال‏:‏ جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فنزلت ‏(‏يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر‏)‏، ‏(‏القمر 48- 49‏)‏، ورواه الترمذي وابن ماجه‏.‏

وقال البخاري- رحمه الله تعالى‏:‏ باب ‏(‏وكان أمر الله قدرا مقدورا‏)‏، ‏(‏الأحزاب 38‏)‏ حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإن لها ما قدر لها ‏"‏‏.‏

حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أسامة قال‏:‏ كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رسول إحدى بناته، وعنده سعد وأبي بن كعب ومعاذ، أن ابنها يجود بنفسه، فبعث إليها ‏"‏ لله ما أخذ ولله ما أعطى، كل بأجل، فلتصبر ولتحتسب ‏"‏‏.‏

حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهري قال‏:‏ أخبرني عبد الله بن محيريز الجمحي أن أبا سعيد الخدري أخبره‏:‏ أنه بينما هو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم جاء رجل من الأنصار فقال‏:‏ يا رسول الله، إنا نصيب سبيا ونحب المال، كيف ترى في العزل‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أوإنكم تفعلون ذلك‏؟‏ لا عليكم أن لا تفعلوا، فإنه ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي كائنة‏.‏

وقال رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا بشر بن محمد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم يكن قد قدرته، ولكن يلقيه القدر وقد قدرته له، أستخرج به من البخيل‏.‏

وقال أيضا‏:‏ حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا يأتي ابن آدم النذر بشيء، لم يكن قد قدر له، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له، فيستخرج الله تعالى به من البخيل، فيؤتى عليه ما لم يكن يؤتى عليه من قبل ‏"‏‏.‏

وقال مسلم- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير قالا‏:‏ حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ربيعة بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان ‏"‏‏.‏

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الترمذي وغيره قول النبي صلى الله عليه وسلم له‏:‏ ‏"‏ واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ‏"‏ الحديث‏.‏ والأحاديث في القدر كثيرة جدا، قد تقدم منها أشياء متفرقة، وسنذكر منها ما ييسره الله عز وجل في هذا الباب‏.‏

فصل‏:‏ الإيمان بالقدر على أربع مراتب

واعلم رحمك الله تعالى ووفقنا وإياك لما يحبه ويرضاه، وهداناه وإياك صراطه المستقيم أن الإيمان بالقدر على أربع مراتب‏:‏

المرتبة الأولى‏:‏ الإيمان بعلم الله عز وجل المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات

فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم، ومن قبل أن يخلق الجنة والنار، علم دق ذلك وجليله، وكثيره وقليله، وظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، ومبدأه ومنتهاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته، ومقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علام الغيوب، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة‏)‏، ‏(‏الحشر 22‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما‏)‏، ‏(‏الطلاق 12‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا‏)‏، ‏(‏الجن 28‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر‏)‏، ‏(‏سبأ 3‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى‏)‏، ‏(‏النجم 30‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏أليس الله بأعلم بالشاكرين أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين‏)‏، ‏(‏العنكبوت 10‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون‏)‏، ‏(‏البقرة 30‏)‏ الآيات، وقال- تعالى‏:‏ ‏(‏وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون‏)‏، ‏(‏البقرة 216‏)‏‏.‏

وقال البخاري- رحمه الله تعالى‏:‏ باب‏:‏ الله أعلم بما كانوا عاملين، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال‏:‏ الله أعلم بما كانوا عاملين‏.‏

حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال‏:‏ وأخبرني عطاء بن يزيد أنه سمع أبا هريرة يقول‏:‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذراري المشركين فقال‏:‏ الله أعلم بما كانوا عاملين‏.‏

حدثني إسحاق، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه كما تنتجون البهيمة، هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكوتوا أنتم تجدعونها‏؟‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير‏؟‏ قال‏:‏ الله أعلم بما كانوا عاملين‏.‏

وقال أيضا- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا يزيد الرشك قال‏:‏ سمعت مطرف بن عبد الله بن الشخير يحدث، عن عمران بن حصين قال‏:‏ قال رجل‏:‏ يا رسول الله، أيعرف أهل الجنة من أهل النار‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فلم يعمل العاملون‏؟‏ قال‏:‏ كل يعمل لما خلق له ‏"‏، أو ‏"‏ لما يسر له ‏"‏‏.‏

وقال رحمه الله أيضا‏:‏ حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني أبو حازم، عن سهل أن رجلا من أعظم المسلمين غناء، عن المسلمين في غزوة غزاها مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار، فلينظر إلى هذا‏.‏ فاتبعه رجل من القوم، وهو على تلك الحال من أشد الناس على المشركين حتى جرح، فاستعجل الموت فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه حتى خرج من بين كتفيه، فأقبل الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسرعا، فقال‏:‏ أشهد أنك رسول الله‏.‏ فقال‏:‏ وما ذاك‏؟‏ قال‏:‏ قلت لفلان من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار، فلينظر إليه، وكان من أعظمنا غناء عن المسلمين، فعرفت أنه لا يموت على ذلك، فلما جرح، استعجل الموت فقتل نفسه‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك‏:‏ إن العبد ليعمل عمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بالخواتيم‏.‏

وقال مسلم- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن رقبة بن مسقلة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا ‏"‏‏.‏

حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن العلاء بن المسيب، عن فضيل بن عمرو، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت‏:‏ توفي صبي، فقلت‏:‏ طوبى له، عصفور من عصافير الجنة‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أولا تدرين أن الله تعالى خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلا ولهذه أهلا‏.‏

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت‏:‏ دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت‏:‏ يا رسول الله، طوبى له عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه‏.‏ قال‏:‏ أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم‏.‏

وقال- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز- يعني‏:‏ ابن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة‏.‏

قلت وهذا الحديث وما في معناه تفسيره عند أهل العلم والسنة على حديث سهل بن سعد عند مسلم رحمه الله تعالى قال‏:‏ حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب- يعني‏:‏ ابن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة ‏"‏‏.‏ الحديث يفسر الأول أن عمل المختوم له بالشقاوة إذا ظهر صلاحه، إنما هو فيما يبدو للناس‏.‏

وقال- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا عزرة بن ثابت، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدؤلي قال‏:‏ قال لي عمران بن الحصين‏:‏ أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر ما سبق‏؟‏ أو فيما يستقبلون به ما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم‏؟‏ فقلت‏:‏ بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم‏.‏ قال‏:‏ فقال أفلا يكون ظلما‏؟‏ قال‏:‏ ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت‏:‏ كل شيء خلق الله وملك يده، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون‏.‏ فقال لي‏:‏ يرحمك الله تعالى إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا‏:‏ يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أفي شيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وثبتت الحجة عليهم‏؟‏ فقال‏:‏ لا، بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم‏.‏ وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل- ‏(‏ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها‏)‏، ‏(‏الشمس 8‏)‏‏.‏

وفيه عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا، وفي يده عود ينكت به، فرفع رأسه فقال‏:‏ ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، فلم نعمل، أفلا نتكل‏؟‏ قال‏:‏ اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ‏:‏ ‏(‏فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى‏)‏ إلى قوله‏:‏ ‏(‏فسنيسره للعسرى‏)‏، ‏(‏الليل 5- 10‏)‏، والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة شهيرة، يطول استقصاؤها، وقد تقدم منها جملة في إثبات علم الله عز وجل من توحيد المعرفة والإثبات‏.‏

فصل‏:‏ المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقدر

الإيمان بكتاب الله تعالى الذي لم يفرط فيه من شيء، قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏ما فرطنا في الكتاب من شيء‏)‏، ‏(‏الأنعام 38‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وكل شيء أحصيناه في إمام مبين‏)‏، ‏(‏يس 12‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر‏)‏، ‏(‏القمر 53‏)‏ وقال تعالى عن موسى حين قال له فرعون‏:‏ ‏(‏فما بال القرون الأولى قال علمها عند

ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى‏)‏، ‏(‏طه 52‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ألم تر أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير‏)‏، ‏(‏الحج 70‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو‏)‏- إلى قوله- ‏(‏ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين‏)‏، ‏(‏الأنعام 59‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين‏)‏، ‏(‏يونس 61‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير‏)‏، ‏(‏فاطر 11‏)‏ إلى غير ذلك من الآيات التي يقرن فيها بين إثبات العلم والكتاب، أو يذكر كل على حدته‏.‏ وكتابه تعالى من علمه‏.‏

وقال البخاري- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا عبدان بن أبي حمزة، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عود ينكت في الأرض، وقال‏:‏ ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة‏.‏ فقال رجل من القوم‏:‏ ألا نتكل يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ لا، اعملوا فكل ميسر، ثم قرأ ‏(‏فأما من أعطى واتقى‏)‏، ‏(‏الليل 5‏)‏‏.‏

ورواه مسلم بأبسط منه فقال- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا عثمان بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لزهير، قال إسحاق‏:‏ أخبرنا، وقال الآخران‏:‏ حدثنا جرير، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال‏:‏ ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله تعالى مكانها من الجنة والنار، وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة‏.‏ قال‏:‏ فقال رجل‏:‏ يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل‏؟‏ فقال‏:‏ من كان من أهل السعادة، فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة، فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة‏.‏ فقال‏:‏ اعملوا فكل ميسر، وأما أهل السعادة، فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ ‏(‏فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى‏)‏، ‏(‏الليل 5- 10‏)‏‏.‏

وقال- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، ‏(‏ح‏)‏ وحدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال‏:‏ جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال‏:‏ يا رسول الله، بين لنا ديننا، كإنا خلقنا الآن، فيما العمل اليوم‏؟‏ أفيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل‏؟‏ قال‏:‏ لا، بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير‏.‏ قال‏:‏ ففيم العمل‏؟‏ قال زهير‏:‏ ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت ما قال‏؟‏ فقال‏:‏ اعملوا فكل ميسر‏.‏ وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كل عامل ميسر لعمله ‏"‏‏.‏

وقال البخاري- رحمه الله تعالى‏:‏ باب ‏(‏وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون‏)‏، ‏(‏الأنبياء 95‏)‏، ‏(‏إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن‏)‏، ‏(‏هود 36‏)‏، ‏(‏ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا‏)‏، ‏(‏نوح 27‏)‏، وقال منصور بن النعمان، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهم‏:‏ وحرم بالحبشية وجب‏.‏ حدثني محمود بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ مارأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه‏.‏ ورواه مسلم بهذا اللفظ، وبلفظ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه‏.‏

وقال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا يونس، حدثنا الليث، عن قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه ركب خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا غلام، إني معلمك كلمات، ينفعك الله بهن، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف‏.‏

ورواه الترمذي بنحوه، وقال‏:‏ حسن صحيح‏.‏

وقال الإمام أحمد أيضا‏:‏ حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، حدثني أبو قبيل المعافري، عن شفي الأصبحي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال‏:‏ أتدرون ما هذان الكتابان‏؟‏ قال‏:‏ قلنا‏:‏ إلا أن تخبرنا يا رسول الله‏.‏ قال للذي في يده اليمنى‏:‏ هذا كتاب من رب العالمين تبارك وتعالى بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال للذي في يساره‏:‏ هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا‏.‏ فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فلأي شيء إذا نعمل إن كان هذا أمر قد فرغ منه‏؟‏‏!‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم بعمل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار ليختم بعمل أهل النار، وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال‏:‏ فرغ ربكم عز وجل من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال‏:‏ فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال‏:‏ فريق في السعير‏.‏ ورواه الترمذي بنحوه وقال‏:‏ حديث حسن صحيح غريب، وغير ذلك من الأحاديث كثير‏.‏

فصل‏:‏ والإيمان بكتابة المقادير يدخل فيه خمسة تقادير

‏(‏الأول‏)‏‏:‏ التقدير الأزلي قبل خلق السماوات والأرض عندما خلق الله تعالى القلم

كما قال ربنا تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا‏)‏، ‏(‏التوبة 51‏)‏ الآية، وقال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏(‏ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم‏)‏، ‏(‏الحديد 22‏)‏‏.‏

وقال البخاري- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز أنه حدثه، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال‏:‏ دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم، فقال‏:‏ اقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا‏:‏ قد بشرتنا فأعطنا ‏(‏مرتين‏)‏‏.‏ ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال‏:‏ اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا‏:‏ قبلنا يا رسول الله‏.‏ قالوا‏:‏ جئناك نسألك عن أول هذا الأمر‏.‏ قال‏:‏ كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض، فنادى مناد‏:‏ ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت، فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها‏.‏

وقال مسلم- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح، حدثنا ابن وهب، أخبرني أبو هانئ الخولاني، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال‏:‏ وعرشه على الماء‏.‏

ولهما عن أبي هريرة حديث احتجاج آدم وموسى، وهذا اللفظ لمسلم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ احتج آدم وموسى- عليهما السلام- عند ربهما، فحج آدم موسى‏.‏ قال موسى‏:‏ أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض‏.‏ فقال آدم‏:‏ أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا، فبكم وجدت الله تعالى كتب التوراة قبل أن أخلق‏؟‏ قال موسى‏:‏ بأريعين عاما‏.‏ قال آدم‏:‏ فهل وجدت فيها ‏(‏وعصى آدم ربه فغوى‏)‏، ‏(‏طه 121‏)‏‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ أفتلومني على أن عملت عملا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فحج آدم موسى‏.‏ وله عندهما وغيرهما ألفاظ من طرق كثيرة‏.‏

وقال أبو داود- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا جعفر بن مسافر الهذلي، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا الوليد بن رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي حفصة قال‏:‏ قال عبادة بن الصامت لابنه‏:‏ يا بني، إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن أول ما خلق الله القلم، فقال له‏:‏ اكتب‏.‏ قال‏:‏ رب، وماذا أكتب‏؟‏ قال‏:‏ مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة‏.‏ يابني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ من مات على غير هذا فليس مني

وقال الترمذي- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا يحيى بن موسى، أخبرنا أبو داود الطيالسي، أخبرنا عبد الواحد بن سليم قال‏:‏ قدمت مكة فلقيت عطاء بن أبي رباح، فقلت له‏:‏ يا أبا محمد، إن أهل البصرة يقولون في القدر‏.‏ قال‏:‏ يا بني، أتقرأ القرآن‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فاقرأ الزخرف‏.‏ قال‏:‏ فقرأت ‏(‏حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم‏)‏، ‏(‏الزخرف 1- 4‏)‏ قال‏:‏ أتدري ما أم الكتاب‏؟‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السماء، وقبل أن يخلق الأرض، فيه إن فرعون من أهل النار، وفيه تبت يدا أبي لهب وتب‏.‏ قال عطاء‏:‏ فلقيت الوليد بن عبادة بن الصامت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته‏:‏ ما كانت وصية أبيك عند الموت‏؟‏ قال‏:‏ دعاني فقال‏:‏ يا بني، اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله تعالى حتى تؤمن بالله وتؤمن بالقدر كله خيره وشره، فإن مت على غير هذا دخلت النار، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال‏:‏ اكتب‏.‏ قال‏:‏ ما أكتب‏؟‏ قال‏:‏ اكتب القدر، ما كان وما هو كائن إلى الأبد‏.‏ هذا حديث غريب‏.‏

وقال البخاري- رحمه الله تعالى‏:‏ قال أصبغ‏:‏ أخبرني ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قلت يا رسول الله، إني رجل شاب، وأخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوج به النساء، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا أبا هريرة، جف القلم بما أنت لاق، فاختصر على ذلك أو ذر‏.‏ وغير ذلك من الأحاديث‏.‏

فصل‏:‏ التقدير ‏(‏الثاني‏)‏ من تقادير الكتابة

كتابة الميثاق يوم ألست بربكم قال تعالى‏:‏ ‏(‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون وكذلك نصرف الآيات ولعلهم يرجعون‏)‏، ‏(‏الأعراف 172‏)‏، وقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين‏)‏، ‏(‏الأعراف 102‏)‏‏.‏

وقال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن الديلمي، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ، فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول جف القلم على علم الله عز وجل‏.‏ حسنه الترمذي‏.‏

وقال أحمد- رحمه الله عز وجل‏:‏ حدثنا هشيم، وسمعته أنا منه قال‏:‏ حدثنا أبو الربيع، عن يونس، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه‏:‏ إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كفه اليسرى‏:‏ إلى النار ولا أبالي‏.‏

وقال- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث- يعني‏:‏ ابن سعد، عن معاوية بن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن الله عز وجل خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، وقال‏:‏ هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي، قال فقال قائل‏:‏ يا رسول الله، فعلى ماذا نعمل‏؟‏ قال‏:‏ على مواقع القدر‏.‏ وفي الباب عن معاذ ونضرة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وحديث عبد الرحمن هذا رجاله رجال الصحيحين إلى الصحابي‏.‏

وروى إمام دار الهجرة مالك بن أنس- رحمه الله تعالى، عن زيد بن أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه أخبره، عن مسلم بن يسار الجهني‏:‏ أن عمر بن الخطاب سئل رضي الله عنه عن هذه الآية ‏(‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين‏)‏، ‏(‏الأعراف 172‏)‏ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله تبارك وتعالى خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه حتى استخرج منه ذرية، فقال‏:‏ خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذريه، فقال‏:‏ خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون‏.‏ فقال رجل‏:‏ يا رسول الله، ففيم العمل‏؟‏ قال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله ربه الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله ربه النار‏.‏

وقال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا حسين بن محمد، حدثنا جرير- يعني‏:‏ ابن أبي حازم، عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ أخذ الله تعالى الميثاق من ظهر آدم بنعمان- يعني‏:‏ عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا ‏(‏قال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون‏)‏، ‏(‏الأعراف 172‏)‏‏.‏ صححه الحاكم، وروى ابنه عبد الله في زوائده على مسند أبيه، حدثنا محمد بن يعقوب الربالي، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يحدث، عن الربيع بن أنس، عن رفيع أبي العالية، عن أبي بن كعب رضي الله عنه في قول الله عز وجل‏:‏ ‏(‏وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم‏)‏، ‏(‏الأعراف 172‏)‏ الآية، قال‏:‏ جمعهم فجعلهم أرواحا، ثم صورهم فاستنطقهم فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم عليه السلام أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بذلك، اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري، فلا تشركوا بي شيئا، إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي‏.‏ قالوا‏:‏ شهدنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب غيرك، فأقروا بذلك الحديث‏.‏ وقال الإمام الحاكم‏:‏ صحيح الإسناد ولم يخرجاه‏.‏

وقال البخاري- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي عمران قال‏:‏ سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة‏:‏ لو أن لك ما في الأرض من شيء، أكنت تفتدي به‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم‏.‏ فيقول‏:‏ أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي، فأبيت إلا أن تشرك بي‏.‏ ورواه مسلم وغيره‏.‏

والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وقد قدمنا منها جملة وافية في أول هذا الشرح عند الكلام على الميثاق، ولله الحمد والمنة‏.‏

فصل‏:‏ التقدير ‏(‏الثالث‏)‏ العمري عند تخليق النطفة في الرحم

فيكتب إذ ذاك ذكوريتها وأنوثتها والأجل والعمل والشقاوة والسعادة والرزق وجميع ما هو لاق، فلا يزاد فيه ولا ينقص منه‏.‏ قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا‏)‏، ‏(‏الحج 5‏)‏ الآيات، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير‏)‏، ‏(‏فاطر 11‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون‏)‏، ‏(‏غافر 67‏)‏، وقال تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم‏)‏ ‏(‏النجم 32‏)‏ وغيرها من الآيات‏.‏

وروى البخاري ومسلم بإسناديهما إلى سليمان الأعمش قال‏:‏ سمعت زيد بن وهب، عن عبد الله- يعني‏:‏ ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق‏:‏ ‏"‏ إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات تكتب‏:‏ رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد‏.‏ فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها‏.‏ وهذا لفظ مسلم‏.‏

ولهما من حديث حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ وكل الله تعالى بالرحم ملكا، فيقول‏:‏ أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، قال‏:‏ أي رب ذكر أم أنثى‏؟‏ أشقي أم سعيد‏؟‏ فما الرزق‏؟‏ فما الأجل‏؟‏ فيكتب كذلك في بطن أمه‏.‏

وقال مسلم- رحمه الله تعالى‏:‏ حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير المكي أن عامر بن واثلة حدثه أنه سمع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول‏:‏ الشقي من شقى في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، فأتى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود فقال‏:‏ وكيف يشقى رجل بغير عمل‏؟‏ فقال له الرجل‏:‏ أتعجب من ذلك‏؟‏ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله تعالى إليها ملكا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال‏:‏ يا رب، ذكر أم أنثى‏؟‏ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول‏:‏ يا رب أجله‏؟‏ فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول‏:‏ يا رب ما رزقه‏؟‏ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على أمر ولا ينقص‏.‏ وفي رواية له من طريق أخرى ‏"‏ فيقول‏:‏ يا رب أذكر أو أنثى‏؟‏ فيجعله الله ذكرا أو أنثى، ثم يقول‏:‏ يا رب، أسوي أو غير سوي‏؟‏ فيجعله الله- تعالى- سويا أو غير سوي، ثم يقول‏:‏ يا رب، ما رزقه ما أجله ما خلقه‏؟‏ ثم يجعله الله تعالى شقيا أو سعيدا‏.‏

وفي رواية لأحمد‏:‏ فيقول‏:‏ يا رب، ماذا أشقي أم سعيد‏؟‏ فيقول الله تبارك وتعالى فيكتبان، فيقول‏:‏ ماذا أذكر أم أنثى‏؟‏ فيقول الله عز وجل فيكتبان، فيكتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه، ثم تطوى الصحيفة، فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص‏.‏

وله عن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إذا استقرت النطفة في الرحم أربعين يوما أو أربعين ليلة، بعث الله إليه ملكا، فيقول‏:‏ يا رب ما رزقه‏؟‏ فيقال له‏.‏ فيقول‏:‏ يا رب ما أجله‏؟‏ فيقال له‏.‏ فيقول‏:‏ يا رب ذكر أم أنثى‏؟‏ فيعلمه‏.‏ فيقول‏:‏ يا رب شقي أو سعيد‏؟‏ فيعلمه‏.‏ تفرد به وإسناده حسن‏.‏

وله عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ فرغ الله إلى كل عبد من خمس‏:‏ من أجله، ورزقه، وأثره، وشقي أم سعيد‏.‏ والأحاديث في ذلك كثير‏.‏

فصل‏:‏ والرابع التقدير الحولي في ليلة القدر

يقدر فيها كل ما يكون في السنة إلى مثله، قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين‏)‏، ‏(‏الدخان 1- 5‏)‏ الآيات‏.‏ قال مجاهد‏:‏ ليلة القدر ليلة الحكم، وقال سعيد بن جبير‏:‏ يؤذن للحجاج في ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم، وقال الحسن البصري‏:‏ والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان، وإنها لليلة القدر، يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله تعالى كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحجاج، يقال‏:‏ يحج فلان ويحج فلان، وقال مقاتل‏:‏ يقدر الله تعالى في ليلة القدر أمر السنة في بلاده وعباده إلى السنة القابلة، وقال أبو عبد الرحمن السلمي‏:‏ يقدر أمر السنة كلها في ليلة القدر، وذكر عن سعيد بن جبير في هذه الآية‏:‏ إنك لترى الرجل غشى في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، وروي عن ابن عمر ومجاهد وأبي مالك والضحاك في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق وما يكون فيها إلى آخرها، والآثار في ذلك عن الصحابة وأئمة التفسير من تابعيهم بإحسان كثيرة شهيرة‏.‏

فصل‏:‏ والخامس التقدير اليومي

وهو سوق المقادير إلى المواقيت التي قدرت لها فيما سبق، قال الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏(‏يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن‏)‏، ‏(‏الرحمن 29‏)‏، وروى ابن جرير رحمه الله تعالى عن منيب بن عبد الله بن منيب الأزدي، عن ابيه قال‏:‏ تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏(‏كل يوم هو في شأن‏)‏، ‏(‏الرحمن 29‏)‏، فقلنا‏:‏ يا رسول الله، وما ذاك الشأن‏؟‏ قال‏:‏ أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين‏.‏

وروى ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ قال الله عز وجل‏:‏ ‏(‏كل يوم هو في شأن‏)‏، ‏(‏الرحمن 29‏)‏، قال من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع مقاما، ويضع آخرين‏.‏ وعلقه البخاري موقوفا‏.‏

وروى البزار، عن ابن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كل يوم هو في شأن‏)‏، ‏(‏الرحمن 29‏)‏ قال‏:‏ يغفر ذنبا ويكشف كربا‏.‏

وله هو وابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ إن الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يخلق في كل نظرة، ويحيى ويميت ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء‏.‏ وروى ابن أبي حاتم، عن سويد بن جبلة الفزاري قال‏:‏ إن ربكم كل يوم هو في شأن، فيعتق رقابا، ويعطي رغابا، ويقحم عقابا‏.‏ وقال الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير‏:‏ ‏(‏كل يوم هو في شأن‏)‏ ‏(‏الرحمن 29‏)‏ قال‏:‏ من شأنه أن يجيب داعيا، أو يعطي سائلا، أو يفك عانيا، أو يشفي سقيما‏.‏ وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال‏:‏ كل يوم هو يجيب داعيا ويكشف كربا، ويجيب مضطرا ويغفر ذنبا‏.‏ وقال قتادة‏:‏ لا يستغني عنه أهل السماوات والأرض، يحيي حيا ويميت ميتا، ويربي صغيرا ويفك أسيرا، وهو منتهى حاجات الصالحين وصريخهم ومنتهى شكواهم، وقال الحسين بن فضل‏:‏ هو سوق المقادير إلى المواقيت‏.‏ وقال أبو سليمان الداراني في هذه الآية‏:‏ كل يوم له إلى العبيد بر جديد‏.‏

وذكر البغوي رحمه الله تعالى قول المفسرين‏:‏ من شأنه أن يحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ويعز قوما ويذل قوما، ويشفي مريضا ويفك عانيا، ويفرج مكروبا ويجيب داعيا، ويعطي سائلا، ويغفر ذنبا إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء‏.‏ وجملة القول في ذلك أن التقدير اليومي هو تأويل المقدور على العبد وإنفاذه فيه، في الوقت الذي سبق أنه يناله فيه، لا يتقدمه ولا يتأخره، كما أن في الآخرة يأتي تأويل الجزاء الموعود إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون، ولهذا قال سفيان بن عيينة فيما ذكره عنه البغوي- رحمه الله تعالى‏:‏ الدهر كله عند الله يومان‏:‏ أحدهما مدة أيام الدنيا، والآخر يوم القيامة، فالشأن الذي هو فيه اليوم الذي هو مدة الدنيا الاختبار بالأمر والنهي، والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع- يعني‏:‏ وغير ذلك، وشأن يوم القيامة الجزاء والحساب والثواب والعقاب اهـ‏.‏

ثم هذا التقدير اليومي تفصيل من التقدير الحولي، والحولي تفصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة، والعمري تفصيل من التقدير العمري الأول يوم الميثاق، وهو تفضيل من التقدير الأزلي الذي خطه القلم في الإمام المبين، والإمام المبين هو من علم الله عز وجل، وكذلك منتهى المقادير في آخريتها إلى علم الله عز وجل، فانتهت الأوائل إلى أوليته، وانتهت الأواخر إلى آخريته ‏(‏وأن إلى ربك المنتهى‏)‏، ‏(‏النجم 42‏)‏‏.‏

فصل‏:‏ والمرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر‏:‏ الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة

وهما يجتمعان فيما كان وما سيكون، ويفترقان في ما لم يكن ولا هو كائن، فما شاء الله تعالى كونه، فهو كائن بقدرته لا محالة ‏(‏إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون‏)‏، ‏(‏يس 82‏)‏، وما لم يشأ الله تعالى لم يكن لعدم مشيئة الله تعالى إياه، ليس لعدم قدرته عليه ‏(‏ولو شاء الله لجمعهم على الهدى‏)‏، ‏(‏ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة‏)‏، ‏(‏ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا‏)‏، ‏(‏أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا‏)‏، ‏(‏ولو شاء الله ما اقتتلوا‏)‏، ‏(‏ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين‏)‏، فالسبب في عدم وجود الشيء هو عدم مشيئة الله تعالى إيجاده، لا أنه عجز عنه، تعالى الله وتقدس وتنزه عن ذلك ‏(‏وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا‏)‏، ‏(‏فاطر 44‏)‏‏.‏

فصل‏:‏ والمرتبة الرابعة مرتبة الخلق، وهو الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء

فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرة في السماوات ولا في الأرض إلا والله سبحانه وتعالى خالقها وخالق حركتها وسكونها، سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه‏.‏ وهاتان المرتبتان قد تقدم بسط الكلام عليهما في توحيد المعرفة والإثبات بما أغنى عن إعادته‏.‏ ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة‏.‏

فصل‏:‏ وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم مشيئة

والله تعالى خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم وأقوالهم وأعمالهم، وهو تعالى الذي منحهم إياها وأقدرهم عليها، وجعلها قائمة بهم مضافة إليهم حقيقة، وبحسبها كلفوا عليها يثابون ويعاقبون، ولم يكلفهم الله تعالى إلا وسعهم ولم يحملهم إلا طاقتهم، وقد أثبت الله تعالى ذلك لهم في الكتاب والسنة، ووصفهم به، ثم أخبر تعالى أنهم لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله تعالى عليه، ولا يشاءون إلا إن يشاء الله عز وجل، ولا يفعلون إلا بجعله إياهم فاعلين، كما جمع تعالى بين ذلك في غير ما موضع من كتابه كقوله- عزوجل‏:‏ ‏(‏من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون‏)‏، ‏(‏الأعراف 178‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما‏)‏، ‏(‏المزمل 19‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين‏)‏، ‏(‏التكوير 27- 29‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت‏)‏، ‏(‏البقرة 286‏)‏ الآية، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها‏)‏، ‏(‏الطلاق 7‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون‏)‏، ‏(‏الزخرف 72‏)‏ أي بسببه، وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون‏)‏، ‏(‏السجدة 24‏)‏، وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له‏.‏

وقال البخاري- رحمه الله تعالى‏:‏ باب ‏(‏وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله‏)‏، ‏(‏الأعراف 43‏)‏، ‏(‏لو أن الله هداني لكنت من المتقين‏)‏، ‏(‏الزمر 57‏)‏، حدثنا أبو النعمان، أخبرنا جرير هو ابن حازم، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ينقل معنا التراب، وهو يقول‏:‏ والله، لولا الله ما اهتدينا، ولا صمنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لا قينا، والمشركون قد بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم في الحمر‏:‏ ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ‏(‏فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره‏)‏، ‏(‏الزلزلة 7- 8‏)‏ وغير ذلك ما لا يحصى، وقد تقدم منها جملة وافيه في إثبات الإرادة والمشيئة والخلق، فكما لم يوجد العباد أنفسهم، لم يوجدوا أفعالهم، فقدرتهم وإرادتهم ومشيئتهم وأفعالهم تبع لقدرة الله- سبحانه- وإرادته ومشيئته وأفعاله، إذ هو تعالى خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم وأفعالهم، وليس مشيئتهم وإرادتهم وقدرتهم وأفعالهم هي عين مشيئة الله تعالى وإرادته وقدرته وفعله، كما ليسوا هم إياه تعالى الله عن ذلك، بل أفعالهم المخلوقة لله قائمة بهم لائقة بهم مضافة إليهم حقيقة، وهي من آثار أفعال الله تعالى القائمة به اللائقة به المضافة إليه حقيقة، فالله فاعل حقيقة والعبد منفعل حقيقة، والله تعالى هاد حقيقة، والعبد مهتد حقيقة، ولهذا أضاف تعالى كلا من الفعلين إلى من قام به فقال عز وجل‏:‏ ‏(‏من يهد الله فهو المهتدي‏)‏، ‏(‏الإسراء 97‏)‏، فإضافة الهداية إلى الله تعالى حقيقة، وإضافة الاهتداء إلى العبد حقيقة، وكما أن الهادي تعالى ليس هو عين المهتدي، فكذلك ليست الهداية هي عين الاهتداء، وكذلك يضل الله تعالى من يشاء حقيقة، وذلك العبد يكون ضالا حقيقة، وهو سبحانه وتعالى خالق المؤمن وإيمانه، والكافر وكفره كما قال- جل وعلا‏:‏ ‏(‏هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير‏)‏، ‏(‏التغابن 2‏)‏ أي هو الخالق لكم على هذه الصفة، وأراد منكم ذلك كونا لا شرعا، فلا بد من وجود مؤمن وكافر، وهو البصير بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلال، وهو شهيد على أعمال عباده وسيجزيهم بها أتم الجزاء، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏والله بما تعملون بصير‏)‏ فأضاف الله تعالى الخلق الذي هو فعله القائم به إليه حقيقة، وأضاف الإيمان والكفر الذي هو عملهم القائم بهم إليهم حقيقة، والله تبارك وتعالى هو الذي جعلهم كذلك، وهم فعلوه باختيارهم وقدرتهم ومشيئتهم التي منحهم الله إياها، وخلقها فيهم، وأمرهم ونهاهم بحسبها‏.‏

والمقصود أن الله- سبحانه- في جميع تصرفاته في عباده فاعل حقيقة، والعبد منفعل حقيقة، فمن أضاف الفعل والانفعال كلاهما إلى المخلوق كفر، ومن أضافهما كلاهما إلى الله تعالى كفر، ومن أضاف الفعل إلى الله تعالى حقيقة، والانفعال إلى المخلوق حقيقة كما أضافها الله تعالى فهو المؤمن حقيقة‏.‏

فالأول‏:‏ قول القدرية النفاة، وأول من أحدثه في هذه الأمة معبد الجهني في آخر عصر الصحابة كما قدمنا، عن يحيى بن يعمر في سياق حديث جبريل السابق في سؤاله النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الدين، وأنكر عليه ذلك بقية الصحابة وأئمة التابعين، وتبرءوا من هذا الاعتقاد وكفروا منتحليه ونفوا عنه الإيمان، وأوصى بعضهم بعضا بمجانبته والفرار من مجالسته، ثم تقلد عنه ذلك المذهب الفاسد والسنة السيئة التي انتحلها هو ورءوس المعتزلة وأئمتهم المضلون كواصل بن عطاء الغزال وعمرو بن عبيد، ومن في معناهم وعلى طريقتهم، حتى بالغ بعضهم فأنكر علم الله تعالى وأنكر كتابة المقادير السابقة، وجعل العباد هم الخالقين لأفعالهم، ولهذا كانوا هم مجوس هذه الأمة، فأما واصل بن عطاء فقال فيه أبو الفتح الأزدي‏:‏ رجل سوء كافر، قال الذهبي‏:‏ كان من أجلاد المعتزلة، ولد سنة ثمانين بالمدينة، ومما قيل فيه‏:‏

ويجعل البر قمحا في تصرفه *** وخالف الراء حتى احتال للشعر

ولم يطق مطرا في القول يجعله *** فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر‏.‏

وكان يتوقف في عدالة أهل الجمل ويقول‏:‏ إحدى الطائفتين فسقت لا بعينها، فلو شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم‏.‏ هلك سنة إحدى وثلاثين ومائة‏.‏ وأما عمرو بن عبيد فهو ابن ثوبان ويقال ابن كيسان التيمي مولاهم أبو عثمان البصري من أبناء فارس، قال ابن كثير‏:‏ هو شيخ القدرية والمعتزلة، روى الحديث عن الحسن البصري وعبيد الله بن أنس وأبي العالية وأبي قلابة، وعنه الحمادان وسفيان بن عيينة والأعمش، وكان من أقرانه وعبد الوارث بن سعيد وهارون بن موسى ويحيى القطان ويزيد بن زريع‏.‏ قال الإمام أحمد‏:‏ ليس بأهل أن يحدث عنه، وقال علي بن المديني ويحيى بن معين‏:‏ ليس بشيء‏.‏ وزاد ابن معين‏:‏ وكان رجل سوء، وكان من الدهرية الذين يقولون إنما الناس مثل الزرع‏.‏ وقال الفلاس‏:‏ متروك صاحب بدعة، كان يحيى القطان يحدثنا عنه ثم تركه، وكان ابن مهدي لا يحدث عنه، وقال أبو حاتم‏:‏ متروك، وقال النسائي‏:‏ ليس بثقة، وقال شعبة، عن يونس بن عبيد‏:‏ كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث‏.‏ وقال حماد بن سلمة‏:‏ قال لي حميد‏:‏ لا تأخذ عنه، فإنه كان يكذب على الحسن البصري‏.‏ وكذا قال أيوب وعوف بن عون، وقال أيوب‏:‏ ما كنت أعد له عقلا، وقال مطر الوراق‏:‏ والله، لا أصدقه في شيء، وقال ابن المبارك‏:‏ إنما تركوا حديثه؛ لأنه كان يدعو إلى القدر، وقد ضعفه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل، وأثنى عليه آخرون في عبادته وزهده وتقشفه، قال الحسن البصري‏:‏ هذا سيد شباب القراء ما لم يحدث، قالوا‏:‏ فأحدث والله أشد الحدث، وقال ابن حبان‏:‏ كان من أهل الورع والعبادة إلى أن أحدث ما أحدث، واعتزل مجلس الحسن هو وجماعة معه، فسموا المعتزلة، وكان يشتم الصحابة ويكذب في الحديث وهما لا تعمدا، وقد روي عنه أنه قال‏:‏ إن كانت ‏(‏تبت يدا أبي لهب‏)‏، ‏(‏المسد 1‏)‏ في اللوح، فما تعد منه على ابن آدم حجة‏.‏ وروي له حديث ابن مسعود، حدثنا الصادق المصدوق‏:‏ إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، حتى قال‏:‏ فيؤمر بأربع كلمات‏:‏ رزقه، وأجله، وعمله، وشقي، أو سعيد‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخره، فقال‏:‏ لو سمعت الأعمش يرويه لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما أحببته، ولو سمعته من ابن مسعود لما قبلته، ولو سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت‏:‏ ما على هذا أخذت علينا الميثاق‏.‏ وهذا من أقبح الكفر، لعنه الله إن كان قال هذا، وإذا كان مكذوبا عليه فعلى من كذبه عليه ما يستحقه‏.‏ وقد قال عبد الله بن المبارك- رحمه الله تعالى‏:‏

أيها الطالب علما *** ائت حماد بن زيد

فخذ العلم بحلم *** ثم قيده بقيد

وذر البدعة من *** آثار عمرو بن عبيد‏.‏

وقال ابن عدي‏:‏ كان عمرو يغر الناس بتقشفه، وهو مذموم ضعيف الحديث جدا، معلن بالبدع‏.‏ وقال الدارقطني‏:‏ ضعيف الحديث‏.‏ وقال الخطيب البغدادي‏:‏ جالس الحسن واشتهر بصحبته، ثم أزاله واصل بن عطاء عن مذهب أهل السنة، وقال بالقدر ودعا إليه، واعتزل أصحاب الحديث رحمهم الله تعالى‏.‏

ثم توارث القدرية هذا المذهب الفاسد بعد هؤلاء وتواصوا به، ثم منهم من نفى علم الله تعالى كأوليهم، ففيهم من نفى علمه بالكليات والجزئيات، ومنهم من أثبت العلم بالكليات دون الجزئيات، ثم افترقوا في أفعال الله كما افترقوا في علمه‏:‏

ففرقة قالت‏:‏ كل أفعال العباد ليست مقدورة لله ولا مخلوقة له، لا خيرها ولا شرها‏.‏

والأخرى قالت‏:‏ الخير من أفعالهم مخلوق له تعالى ومقدور له، وأما الشر فليس عندهم مخلوقا لله ولا مقدورا له، فأثبتوا نصف القدر ونفوا نصفه، وأثبتوا خالقين، فهم في الحقيقة مجوس ثنوية، بل أعظم منهم، فإن الثنوية أثبتوا خالقين للكون كله، وهؤلاء أثبتوا خالقين لكل فرد من الأفراد، ولكل فعل من الأفعال، بل جعلوا المخلوقين كلهم خالقين، ولولا تناقضهم، لكانوا أكفر من المجوس، فإن اطراد قولهم ولازمه وحاصله هو إخراج أفعال العباد عن خلق الله عز وجل وملكه، وأنها ليست داخلة في ربوبيته- عزوجل، وأنه يكون في ملكه ما لا يريد ويريد ما لا يكون، وأنهم أغنياء عن الله عز وجل فلا يستعينون على طاعته ولا ترك معصيته، ولا يعوذون به من شرور أنفسهم ولا سيئات أعمالهم، ولا يستهدونه الصراط المستقيم، فقول إياك نعبد وإياك نستعين، وقول لا حول ولا قوة إلا بالله لا معنى له عندهم، وربما استنكروه كما جحدوا قوله تعالى‏:‏ ‏(‏من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم‏)‏، ‏(‏الأنعام 39‏)‏ هذا مع إنكارهم علم الله عز وجل وقدرته ومشيئته وإرادته، وغير ذلك من صفاته تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا‏.‏

فصل‏:‏ والقول ‏(‏الثاني‏)‏‏:‏ وهو إضافة الفعل والانفعال كلاهما إلى الله عز وجل

هو قول الجبرية الغلاة الجفاة، الذين يقولون‏:‏ إن العبد مجبور على أفعاله، مقسور عليها كالسعفة يحركها الريح العاصف وكالهاوي من أعلى إلى أسفل، وأن تكليف الله- سبحانه وتعالى- عباده من أمرهم بالطاعات ونهيهم عن المعاصي، كتكليف الحيوان البهيم بالطيران، وتكليف المقعد بالمشي، وتكليف الأعمى بنقط الكتاب، وأن تعذيبه إياهم على معصيتهم إياه هو تعذيب لهم على فعله لا على أفعالهم، وأن ذلك كتعذيب الطويل لم لم يكن قصيرا، والقصير لم لم يكن طويلا، والأسود لم لم يكن أبيض، والأبيض لم لم يكن أسود، فسلبوا العبد قدرته واختياره، وأخرجوا عن أفعال الله تعالى وأحكامه حكمها ومصالحها، ونفوا عن الله تعالى حكمته البالغة، وجحدوا حجته الدامغة، وأثبتوا عليه تعالى الحجة لعباده، ونسبوه تعالى إلى الظلم وطعنوا في عدله وشرعه، فلا قيام عندهم لسوق الجهاد، ولا معنى لإقامة الحدود ولا للثواب والعقاب، بل ولا لإرسال الرسل والكتب إلا التكليف في غير وسع وتحميل مالا يطاق، والظلم الذي حرمه الله تعالى على نفسه وجعله بين عباده محرما، فأقاموا عذر إبليس اللعين وعذر فرعون وهامان وقارون وسائر الأمم العصاة الممقوتين المقبوحين المغضوب عليهم المخسوف بهم المعدة لهم جهنم وساءت مصيرا، وأن غضب الله عليهم ولعنه وعقابه إياهم على فعله لا على أفعالهم، بل قالوا إنه عاقبهم ومقتهم على طاعتهم إياه؛ لأنهم إن كانوا خالفوا شرعه، فقد أطاعوا إرادته ومشيئته‏.‏ هذا معنى إثبات القدر عند هذه الفرقة الإبليسية، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى كثيرا من عباراتهم التي لا يستطيع المؤمن حكايتها، لولا أن الله تعالى حكى في كتابه أقوال الكفار قبحهم الله، فمن ذلك قول بعضهم‏:‏

ألقاه في اليم مكتوفا وقال له *** إياك إياك أن تبتل بالماء‏.‏

وقول آخر، قبحه الله‏:‏

دعاني وسد الباب عني فهل إلى *** دخولي سبيل بينوا لي قضيتي‏.‏ وقول كافر آخر، فض الله فاه‏:‏

وضعوا اللحم للبزاة *** على ذروتي عدن

ثم لاموا البزاة إذ *** خلعوا عنهم الرسن

لو أرادوا صيانتي *** ستروا وجهك الحسن‏.‏

وقال بعضهم، وقد ذكر له من يخاف إفساده فقال‏:‏ لي خمس بنات لا أخاف على إفسادهن غيره، وصعد رجل يوما على سطح دار له، فأشرف على غلام له يفجر بجاريته، فنزل وأخذهما ليعاقبهما، فقال الغلام‏:‏ إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك، فقال‏:‏ لعلمك بالقضاء والقدر أحب إلي من كل شيء، أنت حر لوجه الله‏.‏ ورأى آخر يفجر بامرأته، فبادر ليأخذه فهرب، فأقبل يضرب المرأة، وهي تقول‏:‏ القضاء والقدر‏.‏ فقال‏:‏ يا عدوة الله، أتزنين وتعتذرين بمثل هذا‏؟‏ فقالت‏:‏ أوه تركت السنة وأخذت بمذهب ابن عباس، فتنبه ورمى بالسوط من يده، واعتذر إليها وقال‏:‏ لولاك لضللت‏.‏ ورأى آخر رجلا يفجر بامرأته فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقالت‏:‏ هذا قضاء الله وقدره‏.‏ فقال‏:‏ الخيرة فيما قضى الله‏.‏ فلقب بالخيرة فيما قضى الله، وكان إذا دعي به غضب، وقيل لبعض هؤلاء‏:‏ أليس هو يقول ولا يرضى لعباده الكفر‏؟‏ فقال‏:‏ دعنا من هذا، رضيه وأحبه وأراده، وما أفسدنا غيره، ولقد بالغ بعضهم في ذلك حتى قال‏:‏ القدر عذر لجميع العصاة، وإنما مثلنا في ذلك كما قيل‏:‏

إذا مرضنا أتيناكم نعودكم *** وتذنبون فنأتيكم فنعتذر

وبلغ بعض هؤلاء أن عليا مر بقتلى النهروان فقال‏:‏ بؤسا لكم، لقد ضركم من غركم‏.‏ فقيل‏:‏ من غرهم‏؟‏ فقال‏:‏ الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والأماني‏.‏ فقال هذا القائل‏:‏ كان علي قدريا، وإلا فالله غرهم وفعل بهم ما فعل وأوردهم تلك الموارد‏.‏ واجتمع جماعة من هؤلاء يوما فتذاكروا القدر، فجرى ذكر الهدهد وقوله ‏(‏وزين لهم الشيطان أعمالهم‏)‏، ‏(‏النمل 24‏)‏ فقال‏:‏ كان الهدهد قدريا، أضاف العمل إليهم والتزيين إلى الشيطان، وجميع ذلك فعل الله‏.‏ وسئل بعض هؤلاء عن قول الله تعالى لإبليس‏:‏ ‏(‏ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي‏)‏، ‏(‏ص 75‏)‏ أيمنعه، ثم يسأله ما منعه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قضى عليه في السر ما منعه في العلانية، ولعنه عليه‏.‏ قال له‏:‏ فما معنى قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏وماذا عليهم لو آمنوا بالله‏)‏، ‏(‏النساء 39‏)‏ إذا كان هو الذي منعهم‏؟‏ قال‏:‏ استهزاء بهم‏.‏ قال‏:‏ فما معنى قوله ‏(‏ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم‏)‏، ‏(‏النساء 147‏)‏‏؟‏ قال‏:‏ فعل ذلك بهم من غير ذنب جنوه، بل ابتدأهم بالكفر، ثم عذبهم عليه، وليس للآية معنى‏.‏

وقال بعض هؤلاء، وقد عوتب على ارتكابه معاصي الله فقال‏:‏ إن كنت عاصيا لأمره، فأنا مطيع لإرادته‏.‏ وجرى عند بعض هؤلاء ذكر إبليس وإبائه وامتناعه من السجود لآدم، فأخذ الجماعة يلعنونه ويذمونه فقال‏:‏ إلى متى هذا اللوم‏؟‏ ولو خلى لسجد، ولكن منع، وأخذ يقيم عذره‏.‏ فقال بعض الحاضرين‏:‏ تبا لك سائر اليوم، أتذب عن الشيطان وتلوم الرحمن‏؟‏ وجاء جماعة إلى منزل رجل من هؤلاء فلم يجدوه، فلما رجع قال‏:‏ كنت أصلح بين قوم‏.‏ فقيل له‏:‏ وأصلحت بينهم‏؟‏ قال‏:‏ أصلحت إن لم يفسد الله، فقيل له‏:‏ بؤسا لك، أتحسن الثناء على نفسك وتسيء الثناء على ربك‏.‏ ومر بلص مقطوع اليد على بعض هؤلاء، فقال‏:‏ مسكين مظلوم، أجبره على السرقة، ثم قطع يده عليها‏.‏ وقيل لبعضهم‏:‏ أترى الله كلف عباده ما لا يطيقون، ثم يعذبهم عليه‏؟‏ قال‏:‏ والله، قد فعل ذلك، ولكن لا نجسر أن نتكلم‏.‏ وقال بعض هؤلاء‏:‏ ذنبة أذنبها أحب إلى من عبادة الملائكة‏.‏ قيل‏:‏ ولم‏؟‏ قال‏:‏ لعلمي بأن الله قضاها علي وقدرها، ولم يقضها إلا والخيرة لي فيها‏.‏ وقال بعض هؤلاء‏:‏ العارف لا ينكر منكرا؛ لاستبصاره بسر الله في القدر‏.‏ قال‏:‏ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول‏:‏ عاتبت بعض شيوخ هؤلاء، فقال لي‏:‏ المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، والكون كله مراده، فأي شيء أبغض منه‏؟‏ قال‏:‏ فقلت له‏:‏ إذا كان المحبوب قد أبغض بعض من في الكون وعاداهم ولعنهم، فأحببتهم أنت وواليتهم، أكنت وليا للمحبوب أو عدوا له‏؟‏ قال‏:‏ فكأنما ألقم حجرا‏.‏ وقرأ قارئ بحضرة بعض هؤلاء ‏(‏قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي‏)‏، ‏(‏ص 75‏)‏ فقال‏:‏ هو الله منعه، ولو قال إبليس ذلك، لكان صادقا، وقد أخطأ إبليس الحجة، ولو كنت حاضرا، لقلت له‏:‏ أنت منعته‏.‏ وسمع بعض هؤلاء قارئا يقرأ ‏(‏وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى‏)‏، ‏(‏فصلت 17‏)‏ فقال‏:‏ ليس من هذا شيء، بل أضلهم وأعماهم اهـ، إلى أن قال‏:‏ فيقال‏:‏ الله أكبر على هؤلاء الملاحدة أعداء الله حقا، الذين ما قدروا الله حق قدره، ولا عرفوه حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمة، ولا نزهوه عما لا يليق به، وبغضوه إلى عباده، وبغضوهم إليه سبحانه، وأساءوا الثناء عليه جهدهم وطاقتهم، وهؤلاء خصماء الله حقا الذين جاء فيهم الحديث ‏"‏ يقال يوم القيامة أين خصماء الله‏؟‏ فيؤمر بهم إلى النار ‏"‏‏.‏ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في تائيته‏:‏

ويدعى خصوم الله يوم معادهم *** إلى النار طرا فرقة القدرية

سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا *** به الله أو ماروا به للشريعة‏.‏

وقال وسمعته يقول‏:‏ القدرية المذمومون في السنة، وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاث‏:‏ نفاته وهم القدرية المجوسية، والمعارضون به للشريعة الذين قالوا‏:‏ ‏(‏لو شاء الله ما أشركنا‏)‏، ‏(‏الأنعام 148‏)‏ وهم القدرية المشركون، والمخاصمون به للرب- سبحانه- وهم اعداء الله تعالى وخصومه، وهم القدرية الإبليسية وشيخهم إبليس، وهو أول من احتج على الله بالقدر فقال‏:‏ ‏(‏بما أغويتني‏)‏ ولم يعترف بالذنب ويبوء به كما اعترف به آدم، فمن أقر بالذنب وباء به ونزه ربه، فقد أشبه أباه آدم، ومن أشبه أباه فما ظلم، ومن برأ نفسه واحتج بالقدر، فقد أشبه إبليس‏.‏ ثم ساق كلاما طويلا في فرق القدرية وضلالهم إلى أن قال- رحمه الله تعالى‏:‏ فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام، وورث كل قوم أئمتهم وأسلافهم، إما في جميع تركتهم، وإما في كثير منها، وإما في جزء منها، وهدى الله بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رضي الله عنهم، فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض، بل آمنوا بقضاء الله وقدره ومشيئته العامة النافذة، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف أراد، وأنه هو الذي جعل المؤمن مؤمنا والمصلي مصليا والمتقي متقيا، وجعل أئمة الهدى يهدون بأمره، وأئمة الضلالة يدعون إلى النار، وأنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها، وأنه يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته، وأنه هو الذي وفق أهل الطاعة لطاعته فأطاعوه، ولو شاء لخذلهم فعصوه، وأنه تعالى حال بين الكفار وقلوبهم، فإنه تعالى يحول بين المرء وقلبه، فكفروا به، ولو شاء، لوفقهم فآمنوا به وأطاعوه، وأنه من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعا إيمانا يثابون عليه، ويقبل منهم ويرضى به عنهم، وأنه لو شاء ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد، ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون‏.‏

القضاء والقدر أربع مراتب

والقضاء القدر عندهم أربع مراتب، جاء بها نبيهم صلى الله عليه وسلم وأخبر بها عن ربه تعالى‏:‏

‏(‏الأول‏)‏‏:‏ علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم‏.‏

‏(‏الثانية‏)‏‏:‏ كتابته ذلك في الذكر عنده قبل خلق السماوات والأرض

‏(‏الثالثة‏)‏‏:‏ مشيئة المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن عن مشيئه، كما لا خروج له عن علمه‏.‏

‏(‏الرابعة‏)‏‏:‏ خلقه له وإيجاده وتكوينه، فإنه لا خالق إلا الله، والله خالق كل شيء، فالخلق عندهم واحد وما سواه فمخلوق، ولا واسطة عندهم بين الخالق والمخلوق، ويؤمنون مع ذلك بحكمته وأنه حكيم في كل ما فعله وخلقه، وأن مصدر ذلك جميعه عن حكمة تامة، هي التي اقتضت صدور ذلك وخلقه، وأن حكمته حكمة حق عائدة إليه قائمة به كسائر صفاته، وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه وقدرته لمقدوره، كما يقوله نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها، بل هي أمر وراء ذلك، وهي الغاية المحبوبة له المطلوبة التي هي متعلق محبته وحمده، ولأجلها خلق فسوى، وقدر فهدى، وأمات وأحيا، وأسعد وأشقى، وأضل وهدى، ومنع وأعطى، وهذه الحكمة هي الغاية والفعل وسيلة إليها، فإثبات الفعل مع نفيها إثبات للوسائل ونفي للغايات، وهو محال، إذ نفي الغاية مستلزم لنفي الوسيلة، فنفي الوسيلة وهي الفعل لازم لنفي الغاية وهي الحكمة، ونفي قيام الفعل والحكمة به نفي لهما في الحقيقة، إذ فعل لا يقوم بفاعله وحكمة لا تقوم بالحكيم شيء لا يعقل، وذلك يستلزم إنكار ربوبيته وإلهيته، وهذا لازم لمن نفى ذلك ولا محيد له عنه وإن أبى التزامه، وأما من أثبت حكمته تعالى وأفعاله على الوجه المطابق للعقل والفطرة ولما جاءت به الرسل، لم يلزم من قوله محذور البتة، بل قوله حق، ولازم الحق حق كائنا ما كان‏.‏

والمقصود أن ورثة الرسل وخلفاءهم لكمال ميراثهم لنبيهم آمنوا بالقضاء والقدر والحكم والغايات المحمودة في أفعال الرب تعالى وأوامره، وقاموا مع ذلك بالأمر والنهي وصدقوا بالوعد والوعيد، فآمنوا بالخالق الذي من تمام الإيمان به إثبات القدر والحكمة، وبالأمر الذي من تمام الإيمان به الإيمان بالوعد والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب، فصدقوا بالخلق والأمر، ولم ينفوهما بنفي لوازمهما، كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر، وكانوا أسعد الناس بالحق وأقربهم عصبة في هذا الميراث النبوي، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم‏.‏ انتهى ما سقنا من كلامه رحمه الله تعالى وقد بسط الكلام قبل ذلك وبعده فشفى وكفى، رحمه الله تعالى‏.‏

والمقصود أن الإيمان بالقدر مرتبط بامتثال الشرع، وامتثال الشرع مرتبط بالإيمان بالقدر، وانفكاك أحدهما من الآخر محال، فإن الإقرار بالقدر مع الاحتجاج به على الشرع ومحاربته به مخاصمة لله تعالى في أمره وشرعه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه، وطعن في حكمته وعدله، وانتقاد عليه في إرسال الرسل وإنزال الكتب، وخلق الجنة لأوليائه المصدقين بها، وخلق النار لأعدائه المكذبين، ونسبة لأحكم الحاكمين وأعدل العادلين، الحكيم في خلقه وشرعه، العدل في قوله وفعله وحكمه، إلى العبث والظلم في ذلك كله‏.‏

وكذلك الانقياد في الشرع مع نفي القدر، وإخراج أفعال العباد عن قدرة الباري، وجعلهم مستقلين بها مستغنين عنه طعن في ربوبية المعبود وملكوته، ونسبته إلى العجز ووصفه بما لا يستحق الإلهية، ولا يتصف بها مما لا يبدئ ولا يعيد ولا يغني عنك شيئا، تعالى ربنا وتقدس وتنزه وجل وعلا عما يقول الظالمون الجاحدون الملحدون علوا كبيرا، بل الإيمان بالقدر خيره وشره هو نظام التوحيد، كما أن الإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره، وتحجز عن شره، واستعانة الله عليها هو نظام الشرع، ولا ينتظم أمر الدين ولا يستقيم إلا لمن آمن بالقدر وامتثل الشرع، كما قرر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالقدر، ثم قال لما قيل له‏:‏ أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل‏؟‏ قال‏:‏ لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له‏.‏

فمن نفى القدر رغم منافاته للشرع، فقد عطل الله تعالى عن علمه وقدرته ومعاني ربوبيته، وجعل العبد مستقلا بأفعاله خالقا لها، فأثبت خالقا مع الله تعالى، بل أثبت أن جميع المخلوقين خالقون، ومن أثبته محتجا به على الشرع محاربا له به نافيا عن العبد قدرته واختياره التي منحه الله تعالى إياها، وأمره ونهاه وأخبره بحسبها، زاعما أن الله تعالى كلف عباده ما لا يطاق، فقد نسب الله تعالى إلى الظلم وإلى العبث وإلى ما لا يليق به، ورجح حجة إبليس وأثبتها وأقام عذره، وكان هو إمامه في ذلك إذ يقول‏:‏ ‏(‏رب بما أغويتني‏)‏، ‏(‏الأعراف 16‏)‏، وأما المؤمنون حقا فيؤمنون بالقدر خيره وشره، وأن الله تعالى خالق ذلك كله لا خالق غيره ولا رب سواه، وينقادون للشرع أمره ونهيه، ويصدقون خبر الكتاب والرسول، ويحكمونه في أنفسهم سرا وجهرا، وأن الهداية والإضلال بيد الله، يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله ‏(‏هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى‏)‏، ‏(‏النجم 30‏)‏ وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وأن الثواب والعقاب مترتب على الشرع فعلا وتركا، لا على القدر، ويعزون أنفسهم بالقدر عند المصائب، ولا يحتجون به على المعاصي والمعايب، فإذا وقفوا لحسنة، عرفوا الحق لأهله، فقالوا‏:‏ الحمد لله الذي هدانا سبلنا ‏(‏وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله‏)‏، ‏(‏الأعراف 43‏)‏ ولم يقولوا كما قال الفاجر‏:‏ ‏(‏إنما أوتيته على علم عندي‏)‏، ‏(‏القصص 78‏)‏، وإذا اقترفوا سيئة باءوا بذنبهم وأقروا به، وقالوا كما قال الأبوان ‏(‏ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين‏)‏، ‏(‏الأعراف 23‏)‏ ولم يحملوا ذنبهم وظلمهم على القدر ويحتجوا به عليه، ولم يقولوا كما قال إبليس- لعنه الله‏:‏ ‏(‏رب بما أغويتني‏)‏، ‏(‏الأعراف 16‏)‏، وإذا أصابتهم مصيبة رضوا بقضاء الله وقدره، واستسلموا لتصرف ربهم ومالكهم تبارك وتعالى وقالوا كلمة الصابرين ‏(‏الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون‏)‏، ‏(‏البقرة 156‏)‏، ولم يقولوا كما قال الذين كفروا ‏(‏وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير‏)‏ ‏(‏آل عمران 156‏)‏‏.‏

فصل‏:‏ القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الإتكال

واتفقت جميع الكتب السماوية والسنن النبوية على أن القدر السابق لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال، بل يوجب الجد والاجتهاد والحرص على العمل الصالح، ولهذا لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بسبق المقادير وجريانها وجفوف القلم بها، فقيل له‏:‏ أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل‏؟‏ قال‏:‏ لا، اعملوا فكل ميسر، ثم قرأ‏:‏ ‏(‏فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى‏)‏، ‏(‏الليل 5- 10‏)‏ كما في الأحاديث التي قدمنا وغيرها، فالله- سبحانه وتعالى- قدر المقادير، وهيأ لها أسبابا، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد، وقد يسر كلا من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة، فهو مهيأ له ميسر له، فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشد اجتهادا في فعلها والقيام بها، وأعظم منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه من كون الحرث سببا في وجود الزرع، والنكاح سببا في وجود النسل، وكذلك العمل الصالح سبب في دخول الجنة، والعمل السيئ سبب في دخول النار، وقد فقه هذا كل الفقه من قال من الصحابة لما سمع أحاديث القدر‏:‏ ما كنت بأشد اجتهاد مني الآن، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم‏:‏ احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل‏:‏ لو أني فعلت كذا وكذا، لكان كذا وكذا، ولكن قل‏:‏ قدر الله وما شاء فعل‏.‏

وفي المسند والترمذي وابن ماجه من حديث الزهري، عن ابن أبي خزامة، عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا‏؟‏ قال‏:‏ هي من قدر الله‏.‏ يعني‏:‏ أن الله تبارك وتعالى قدر الخير والشر وأسباب كل منهما‏.‏